samedi 17 mars 2018

العلامة المحدث شيخ الجماعة بوهران مفتاح البخاري الحنفي


العلامة المحدث شيخ الجماعة بوهران 
مفتاح البخاري الحنفي
النصف الثاني من ق12- بعد1246هـ/ ن2 من ق18- بعد1831م

تحقيق : الأستاذ بليل حسني وهواري حاج

لقد ذكره الزّياني رحمه الله تعالى في دليله بقوله : وشيخ الجماعة السيد الحاج مفتاح البخاري الحنفي ولم يعقب المحقق الشيخ المهدي البوعبدلي رحمه الله تعالى بشيء،وكذلك ذكره المزاري رحمه الله تعالى في طلوعه بقوله : والسيد الحاج مفتاح البخاري الحنفي شيخ الجماعة بوهران وقال عنه وعمن سبقه من العلماء المحقق الدكتور يحي بوعزيز رحمه الله تعالى معظم هؤلاء لم نجد من ترجم لهم ، ولهذا خصصنا له هذه الترجمة الموجزة
هو شيخ العلامة المحدث شيخ الجماعة بوهران الولي الباري الداعية إلى الله والمتعشق لحضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم المقتدى بحاله وقاله شرف الدين مفتاح الدين بن حسام الدين الفارغاني البخاري الحنفي مذهبا ، المحمدي عقيدة ، المعروف اختصارا بالحاج مفتاح البخاري شيخ الجماعة بوهران ، أصله من فرغانة الواقعة في شرق أوزبكستان ، وعاش في بخاري فأطلق عليه البخاري
ولد في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الموافق للنصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكانت له رحله إلى بلاد الحجاز، وبعد تأدية المناسك والقيام بحجة السيرورة قام برحلة ثانية وكان آخر محطاتها مدينة وهران المحروسة أعادها الله دار إسلام حقيقة لا مجازا، وبعد أن تعرف على علمائها وكرم سكانها الذين قابلوه بحفاوة لا نظير لها قرر الاستقرار بهذه المدينة.
من شيوخه : له عدة شيوخ أبرزهم :
شيخ العلوم في الموصل الحدباء العلامة الملقب صلاح الدين يوسف بن رمضان بن عبد الله الملقب صلاح الدين الواعظ الموصلي مولدا والحنفي مذهبا ولد بالموصل في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري في محلة الشيخ أبو العلا وداره لا تزال أثارها قائمة ليومنا هذا في المحلة المذكورة عمل خياطا في بداية حياته ثم تفرغ لقراءة العلوم الشرعية فنبغ وتفوق على من كان في زمانه وعنه يقول الملا خالد الكردي المزوري العمادي الشافعي في حاشيته: والغالب عليه أطال الله بقائه الحضور حتى إنه كان خياطا في أوائل شبابه وماكان يضرب إبرة إلا وذكر كلمة التوحيد وقد تفوق على الأقران لشدة محبة والده رمضان رحمه الله مع العلماء وقد رأينا في التواريخ وجربنا الأحوال أن كل من أحب العلماء جعل الله تعالى ذريته من العلماء " أخذ الشيخ يوسف بن رمضان رحمه الله العلوم العقلية والنقلية على الملا جرجيس بن محمد الاربيلي الرشادي ( ت 1206هـ ) و هو أخذ العلوم على صبغة الله الحيدري ( 1107_ ت 1178هــ) المولود في قرية ماوران من أعمال مدينة اربيل والمتوفى ببغداد وهو عن أبيه إبراهيم ابن حيدر الحسين آبادي.
ونال الشيخ يوسف الإجازة العلمية في المعقول والمنقول عام 1198هـ من شيخه الملا جرجيس بن محمد الأربيلي الرشادي ولقبه بصلاح الدين صحب ملا احمد بن علوان كاتب العربية لوزراء الموصل المحمية المعروف باحمد بن ملا بكر وسافر معه الى بغداد وذلك سنة 1199هـ وناظر علماءها فأفحم ثم عاد إلى الموصل الحدباء وتولى التدريس في المدرسة التي إنشاءها احمد بن ملا بكر عام 1201هـ والمعروفة بالمدرسة الاحمدية وجعله على أوقافها ولذريته من بعده ثم تصدر للتدريس بعد وفاة شيخه الاربيلي الرشادي سنة 1206هـ في المدرسة الامينية جامع الباشا وواعظا في الحضرة الجرجيسية ، وعنه يقول عثمان بك الحيائي الجليلي في كتاب الحجة فيمن زاد على ابن حجة في معرض الكلام عن الملا جرجيس الاربيلي الرشادي قوله : وأما العلم الذي بعده فمنه الله تعالى على ماترك من طود شامخ وعلم باذخ وبحر عباب زاخر وسحاب بالعلم ماطر العالم المتورع والزاهد المتشرع مولانا الشيخ يوسف الخياط فانه من بعده الآية الكبرى والنعمة العظمى حوى المعقول والمنقول والفروع والأصول وقام متصدرا بذلك المقام وكان كقول الشاعر نفس عصام سودت عصاما طلع على فلك كرسي الوعظ بدرا ونثر علومه على الناس جمانا وتبرا ورقى منبر المعالي فضم خطيبا وضمخ طيبا وزاحمه علوا وقدرا واحتاطه المحراب فرأينا صورة يوسف وسمعنا سورة يوسف سرا وجهر وألان شمس علمه طالعة ونهار فضله موجود ولازال بفضله على الناس يجود فنسأل الله الحفظ من الخفض والرفع لذلك الوجود لئلا تصبح بلدتنا شذرا مذرا " ومن أثاره تصنيف كتاب في العقائد وعليه حاشية للملا خالد الكردي المزوري العمادي الشافعي ، و تقريظ لكتاب الانتصار للأولياء للعالم الفاضل الملا يوسف بن ملا عبد الجليل الكردي ( ت 1241هـ ) ، وغير ذلك، توفي العلامة يوسف بن رمضان سنة 1244 هجرية عليه سحائب الرحمة والرضوان ودفن في مقبرة خاصة جوارالنبي جرجيس عليه السلام تحت المنارة وقد أزيلت أثار تلك المقابر في بداية عقد السبعينات من القرن الماضي .
تلاميذه في وهران : من بين تلاميذه
أبو محمد السيد عبد القادر عرف بابن عبد الله بن السيد مصطفى المشرفي قال عنه الحاج مفتاح البخاري : وقد طلب اتصاله بذلك – أي بأسانيده الفاضل الذكي والعالم التقى والعالم زين العابدين المنتسب إلى أفضل الخلق قلى الله عليه ونسبا وسنة أبومحمد السيد عبد القادر عرف بابن عبد الله بن السيد مصطفى المشرفي وابنه السيد مصطفى بن السيد عبد القادر المذكور طلبا لرضا الله سبحانه وتعالى والتماسا لأنفاسهم الشريفة فأجبته لذلك طلبا للقرب إلى الله تعالى ورغبة في الأجور الأخروية بعد أن أسمعتهما الحديث المسلسل بالأولية وهو قوله صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمان ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء وبعد أن أسمعتهما الحديث المتفق عليه وعلى صحته الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
ابنه الشيخ مصطفى بن الشيخ عبد القادر الراشدي
بعض أسانيده في علم الحديث : 
[سنده الجامع الصحيح للإمام البخاري]
أمّا بعد فيقول الفقير إلى مولاه القدير أسير الغفلات والتقصير المحتاج إلى ألطاف ربه الباري شرف الدين مفتاح الدين بن حسام الدين البخاري أجازني بكتاب الجامع الصحيح المختصر من أمور سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأحكامه وسننه ومعانيه تأليف الشيخ الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري رحمه الله شيخنا في الكل العلامة الشيخ صلاح الدين يوسف أفندي إبن رمضان الموصلي القادري الحنفي قال أخبرنا شيخنا العلامة جامع المعقول والمنقول جرجيس أفندي القادري الشافعي قال أخبرنا شيخنا العلامة المحدث الصوفي الأستاذ عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي اليماني وشيخنا الإمام المحدث العلامة محمد بن علاء الدين المزجاجي وكلاهما عن شيخهما علاء الدين بن عبد الباقي المزجاجي و وشيخهما العلامة أبي طاهر محمد بن إبراهيم بن حسن الكردي قال أخبرنا به العبد المعمر الصوفي بن ملا سعد الله اللاهوري عن الشيخ قطب الدين محمد بن احمد النهرواني عن والده الإمام علاء الدين أحمد بن محمد النهرواني عن الحافظ نور الدين ابي الفتوح أحمد بن عبد الله بن أبي الفتوح الطردوسي عن الشيخ المعمر محمد بن شاذبخت الفرغاني عن الشيخ المعمر أبي لقمان يجيبي بن عمار بن شاهان الختلاني بسماعه على الفربري عن مؤلفه رحمه الله.
[سنن أبي داوود]
أجازني بسنن أبي داوود شيخنا المُومَأُ إليه يوسف أفندي ابن رمضان الموصلي الحنفي قال أخبرنا به شيخنا جرجيس أفندي بن محمد قال أخبرنا به شيخنا علي بن عمر بن الحسيني قال أخبرنا به شيخنا السابق عبد الخالق بعد ان قرأ عليه ولدنا السيد محمد شيئا من أوائله وأنا أسمعه قال أخبرنا به شيخنا بل أخي عبد الجبار بن موسى بن جنيد القرشي عن برهان الدين بن محمد الحاقام عن السيد الطاهر بن حسين عن الحافظ عبد الرحمن بن علي بن الربيع عن عبد الملك بن عبد الوهاب الشهير بالنقيب عن زين الدين أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف السرجي عن سليمان بن إبراهيم العلوي عن علي بن أبي بكر بن شداد عن أبي العباس أحمد بن ابي الخير عن والده عن نصر بن ابي الفرج الحضرمي عن أبي طالب بن ابي زيد العلوي عن ابي علي التستري عن القاسم بن جعفر الهاشمي عن محمد بن احمد بن عمر اللؤلوي عن مؤلفه رحمه الله
[الجامع للحافظ الترمذي]
بسم الله الرحمن الرحيم أجازني بكتاب الجامع للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي شيخنا المشار إليه يوسف أفندي بن رمضان الموصلي قال أجازني به شيخنا جرجيس أفندي بن محمد قال أخبرنا به شيخنا علي بن عمر بن الحسيني الشافعي قال أخبرني شيخاي المذكوران الشيخ علاء الدين والشيخ محمد بن أبي طاهر بن الجراسيم بن حسن الصوفي كلاهما قالا أخبرنا به الشيخ إبراهيم عن الشيخ أحمد بن محمد المدني عن الشيخ علي بن عمر المدني الصوفي عن الشيخ أبي عبد الله محي الدين محمد بن علي الحاتمي الطائي الصوفي نفعنا الله به عن الشيخ عبد الوهاب بن علي بن سكينة البغدادي الصوفي عن الشيخ المعمر عبد الملك بن عبد الله الكردي عن الشيخ عبد الله بن محمد الأنصاري عن الشيخ عبد الجبار بن محمد المروزي عن محمد بن أحمد بن محبوب المروزي عن مؤلفه رحمه الله
[سنن النسائي]
بسم الله الرحمن الرحيم أجازني بكتاب السنن بالمجتبى للحافظ أبي عبد الرحمان أحمد بن شعيب النسائي مسلسلا بالصوفية بالسند السابق إلى الشيخ محي الدين بن العربي عن الحافظ أحمد بن محمد السلفي عن عبد الرحمن بن أحمد الدواني عن أحمد بن حسين الدينوي المعروف بابن السني قال أخبرنا به مؤلفه رحمه الله.
[بسنن الحافظ بن ماجة]
بسم الله الرحمن الرحيم أجازني بسنن الحافظ بن ماجة شيخنا الميمون يوسف أفندي بن رمضان الموصلي قال أخبرني بها شيخنا جرجيس أفندي بن محمد قال أخبرني بها شيخنا البركة علي بن عمر بن محمد الحسيني قال أخبرني وأجازني بها شيخنا الثقة عبد الخالق بعد سماع البعض من قراءتها عليه عن شيخه محمد السندي عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري عن البابلي عن إبراهيم بن حسن اللقاني عن الشبخ محمد الرملي بن أحمد بن شيخ الإسلام القاضي زكرياء الأنصاري عن الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني عن أحمد بن عمر اللؤلوي عن يوسف بن عبد الرحمن المقدسي عن عبد الله بن قدامة عن أبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي عن ابي الحسن المقدسي عن القاسم بن المنذر بن الخطيب عن مؤلفه رحمه الله
فهذه الأسانيد في الأمهات الست هي الواصلة بين مصنيفها شكر الله سعيهم ....الحقير الفقير المفرط بالعجز والتقصير أسير ذنبه الراجي عفو ربه الولي الباري شرف الدين مفتاح الدين بن حسام الدين البخاري 

وفاته : لم نتمكن من تحديد وفاته والسبب أن الشيخ مفتاح خرج من مدينة وهران مع الخارجين سنة 1831 بعد الإحتلال الفرنسي ولا ندري أين كانت وجهته رحمه الله تعالى.
-------------------------------------------------
وثائق وإجازات خاصة عند الأستاذ بليل.تنشر إن شاء الله في موقعنا مستقبلا.
.

jeudi 15 mars 2018

القاضي أبو عبد الله محمد بن باهي الوهراني





القاضي أبو عبد الله
محمد بن باهي الوهراني
Le Juge abou abdellah mohammed ben bahi
 el wahrani

1256- بعد1331/1841-بعد1913

ضبط النّص : بليل حسني وهواري حاج.

أما حضرة القاضي فهو علامة قطره ووحيد عصره المتضلع من العلوم الشرعية بما وقف به على الأصول والفروع بتحقيق وتدقيق في كل مقام ألا وهو الفاضل الأمجد الكوكب الأسعد الراقي لأعلى المراقي حتى صارت به العلياء تباهي الشيخ القاضي أبو عبد الله سيدي محمد بن باهي وهو من خاصة المقدمين في الطريقة التجانية وقد حدثني أنه كان أولا على الطريقة الدرقاوية حتى دعته الحضرة التجانية بسائق العناية إليها فتلقاها بما لها من شروط وما بها من الأسرار منوط وقد تعاطى خطة القضاء وقد تعاطى خطة القضاء مرارا فكان في صور وتيارت وهو الآن القاضي بمستغانم وكنت مشتاقا إلى الاجتماع به ورؤيته قبل الوصول إلى هذه البلدة وقلت فيه ليلة مبيتنا عنده:
لكــــــل بـــــــلاد مفخــــــر بمكـــــــــــارم                              وأنــت لـدينــا مفخـر المستغـانـــم
فيهـــا أيهـــا القـاضــي الأجــل ومــن لــه                              فضـائـل شـاعـت بين كـل العوالـم
تبـاهـــي بــك العليـــاء فخـــرا وســــؤددا                              وفضـلـك معـروف لـدى كل عالــم
طبعــت علــى خلــق كريــم وســـدت فــي                              زمـانك بين النـاس يا ابن الأكـارم
فأصبحـــت فـــي أوج السعــــادة سيـــــدا                              تضيء بك الظلماء بكشف المظالم
ويا أيها القاضي محمد الرضى ابن باهـي                              الـــذي قـــد نـــال كــل المكـــــارم
لقــد كنــت مشــــــتـاقـا لـرؤيتـــك التـــي                              بهـا نلـك فـي الـدارين كـل الغنـائـم
فـدم فـــي رضـــاء الله ملحــوظ جانـــــب                              محـوطا بحفظ الله مـن كـل ظالــــم
وقد كتبت إليه مرة بعدما قضينا حق زيارته شاكرين له في اعتنائه بنا وكرامته:
لابـن باهـي فــي المجـــــد أعلــى مقـــام                              وهـو فـي رفعـة مدا الدهـر سامـي
فـيـه بـاهــــت المعالـــي وأوضحــــــــت                              بسنــاه مضينــة فــي الظــلامــــــذ
فـهـــو بــــدر فـــي بـهجــــة وبهـــــــاء                             وهـو جــرد ما مثلــه فــي الأنـــــام
أن أقـل قطـــب عصــــره قلــــت حقـــــا                              لـلـــذي نـالـــه بـكــل احتـــــــــرام
قــد تـحلـــى بـكـــل وصــــف جميـــــــل                              وتخــلـــى عــن كــل وصــف وذام
وتـجلــى عــلــى منـصـــــــة عـــــــــــز                              قـد تسـامـت مـن فـوق كـل مقــــام
بـعـدمــا راض نـفســــــه بـتقـــــــــــــاه                              قــد تصــدى لنيــل أقصـى المـــرام
فــحــــوى رتـبــــــة بــــه تتبــاهــــــــى                              فـي المعـالــي علـى قمــر الـــدوام
رتبتــــه نالهـــا بمــا نــال مــن عـلــــــم                             وفضــل حتــى غــدا فــي الأمـــــام
فاستحـــق العـلـــم فـــــوق ســـــــــــواه                              بعلــــوم ومكــــرمــات جســــــــام
إنــه فـــي العلـــوم بحـــر خـضــــــــــــم                              قــد حــلا وردة لـــروا وظـــــــــام
وهــو فــي الســر كـعبــــة حـجهــــــــــا                              الطــلاب مـن بين سائـر الأعــــلام
قـصـــــدوه مــن كــــل فــــج عميـــــــق                              فحبـــاهــم منــاهـــــم بالتمــــــــام
يا ابــن بـاهـــي الـــذي أبـهــــي بـــــــه                              أهــل المبـاهــاة فــي لقــاء الكـرام
أنـــت والله فــي سـويــــداء قـلبـــــــــي                              حاضــر فــي ترحـلـي ومقـامــــــي
لســـت أنســــى سويعـــة لـــي بهــا قـد                              جــاد وهــي بقــربــك المتسـامـــي
نلت فيها الوداد منك وما أحلى وداد في الله دون اتهام
فــجـــــزاه الإلــــــه عنــــا بـــدينـــــــــا                               وبــأخـــرى بنبـــل كـــل مــــــــرام
ســائــــلا مـنـــه أن يكــــون لــه فـــــي                               كــل حـال نـعـــم المجـيــر المحامي1
فـيــــرى مـــا يســـــره فـــي حـيـــــــاة                                ثـم يلقــى الســرور يــوم القيـــــام
ســائـــلا مـنـــه أن يـطيـــل بـقــــــــــاه                                ســالمــا غــانمــا بحســن الختـــام
وقد بتنا عنده ليلة مبيتنا في هذه البلدة فكانت ليلة زاهرة باهرة في نعمة باطنة وظاهرة، وانبسطنا معه في خلوتنا أي انبساط في ذلك البساط، وأظهر لنا من أسراره الخصوصية ما تحققنا به من أن له الوراثة الحقيقية في مقامات اليقين والخصيصة الكبرى في طريقتنا التجانية المحمدية، ولهذا السيد الفاضل همة عالية لا ترضى بسفاسف الأمور فقد رأيته مهتما بما ينفعه في العاجل والآجل وكان لسان حاله قائل:
وقــائـلــــة لــم عــرتـــك الـهمـــــــــوم                                  وأمـــرك ممتثــــل فــــي الأمـــــــم
فـقلــــت ذرينــــي علـــى حـــالتــــــــي                                  فـــإن الهمــــوم بقــــدر الهمـــــــم
قد خلع معنا العذار في خلوته ولله ما أبهى مباسطه رفيع القدر لمن يحضر بحضرته وبعد طلوع النهار خرجت مع سيدنا الحبيب من محله بقصد التفسح بهذه البلدة فرأيناها بلدة متسعة الطرق وأشجارها صاعدة للأفق وهكذا غالب زقاق هذه البلدة ثم قصدنا المسجد الكبير فوجدناه مغلق الباب وبقربه المستراح مفتوح وعن يمين الداخل إليه ورقة لازقة بجداره مكتوبة بالخط العربي والعجمي بما محصله يجب على من دخل هنا أن يغلق بعد فراغه من حاجته محل الماء وإلا فيلام على ذلك، ويمنع من الدخول مرة أخرى ثم مررنا على الطريق التي بها الوادي المعروف عندهم بوادي عين الصفراء يأتي من الصحراء يشق هذه البلدة عليه قنطرة حديد عالية مع اتساعه وانخفاض مسيله إلا أن قليل الماء في هذا الابان وقبالته البرج المعروف ببرج المحال يسمى بذلك لكون المنحلة هي التي بنته وفي طريقنا هذه تلاقينا مع حضرة القاضي المذكور قاصدا محكمته وهي بقرب المسجد المذكور، فرجعنا معه إليها فوجدناها مشتملة على ثلاثة بيوت أحدها معد للنساء به فرجة تقابل محل جلوس القاضي زمنه تخاطبه المرأة وخصمها من خارج، وعن يساره بيت العدول معد لاستراحتهم، وقبالة الباب بيت لاستراحة القاضي وبه جلسنا معه سويعة زمانية، أما محل المحكمة فقد اشتمل على خمس مواضع مهيأة للجلوس وسطها للقاضي وعن يمينه وشماله باشا عدل وثلاثة عدول وفي هذه المحكمة قلت:
ومــحــكـمــــة ابــن بـاهـــي تبــاهــــي                                  وليـس لهـا في البها من مضاهــي
ولـــم لا وقـــد حـلهــــا حــاكـمـــــــــــا                                  بـحـــق يـؤيــد حـكـــم الإلــــــــــــه
لــه رتبـــة فــي العـلـــى ارتـفـعـــــــت                                  ومــا فـضلــه فــي العــلا متناهـــي
رعـــــاه الإلـــه وبـيـــن الـــــــــــورى                                  وقــاه بحـفـــظ جميــع الــدواهــــي
وقد رأيته يجنح للخمول ولا يحب التظاهر بما هو غير معتاد من الأمور حتى لا يقع للعامة وغيرهم تشويش في الاعتقاد، يزن الناس بكلامهم وجميع أحوالهم إذا تكلم أفصح عن خبايا الضمائر بما له من الفراسة النورانية، وإذا سكت يجول بفكره في الغوص عن الحقائق العرفانية، غير أنه لا يخوض مع الخائضين فيما يفهم سامعه منه غير المراد من الحقائق التوحيدية من أسرار الألوهية والحقيقة المحمدية زاد الله في معناه آمين.
المرجع : الرحلة الحبيبية الوهرانية للقاضي أحمد سكيرج رحمه الله.


مفتي الديارالمستغانمية وتلميذ الحضرة الوهرانية العالم مصطفى بن قارة المستغانمي


ترجمة مفتي الديارالمستغانمية وتلميذ الحضرة الوهرانية
العالم مصطفى بن قارة المستغانمي 
1276- 1375هـ/1860-1956م

هذه الترجمة الموجودة في أعلام الجزائر1830-1954 : منشورات وزارة المجاهدين سنة 2008. هي لصديقي الأستاذ بليل حسني وله مقالات كثيرة في هذا الكتاب فأدرت أن أعيد الأمور إلى نصابها وعزو الأقوال إلى أصحابها من المهام الكبرى في التدريس ، وعائلة الشيخ تقيم حاليا بوهران بعد أن هاجروا من تجديت ومكتبة الشيخ بحوزتهم بوهران .
اسمه و كنيته :
هو عبد القادر بن عودة بن الحاج محمد بن قارة مصطفى الشريف الحسني من سلالة سيدي عفيف بمستغانم .
مولده و طلبه للعلم:
ولد بمستغانم مسقط رأسه سنة 1860م كما جاء في " الكتاب الذهبي " le livre d’or de l’algerie) و قيل سنة 1859 م ، و الأول هي الأصح لأنها من رواية تلميذه ابن شهيدة .
و لذا كان محل عناية أبيه مصطفى أحد أشهر حفظة القرآن الكريم في وقته ، حيث اشرف شخصيا على تحفيظه القرآن الكريم منذ صغره ، و بعد وفاة الوالد انتقل إلى كفاله عمه " الشيخ سيدي بن عودة " بمدينة غيلزان حيث يقيم العم الذي رباه أحسن تربية و علمه ما يحسنه من العلوم الدينية كالتفسير و الحديث و الفقه ، كما تعلم النحو و الصرف على يد علماء مدينة غليزان.
وعاد بعد ثلاث سنوات إلى مدينة مستغانم ليواصل طلبه للعلم.
رحلاته لطلب العلم و شيوخه:
قام مترجمنا برحلات متعددة لطلب العلم إلى كل من قصر البخاري وتلمسان ووهران ، و تعلم على علماء و شيوخ نذكر منهم :
- العلامة أبو الحسن سيدي علي بن عبد الرحمن ، مفتي الديار الوهرانية ( ت 1324 هـ ).
- الشيوخ العربي بلقاسم و المدني و العكرمي – بزاوية الموسوم – بقصر البخاري .
- الشيوخ سيدي أحمد المختار و الطاهر بن عمار و الأخضر بن ميموني .
- الشيخ العربي الفجيجي الذي تلقى عنه علوم النحو و الصرف و العروض.
- الشيخ ابن عبد الله شيخ زاوية غليزان.
- القاضي أبو بكر بن شعيب بن علي الجليلي التلمساني ( ت 1347 هـ / 1927م ).
- الشيخ قدور بن سليمان المستغانمي
- الشيخ محمد بن أبي القاسم الحفناوي - بزاوية الهامل ببوسعادة.
أما ابرز تلاميذه فهم:
- ابنه البكر ولد البشير.
- الشيخ الطاهر بن شهيدة اليحياوي .
- القاضي و الشاعر عبد الحميد رئيس محكمة وهران.
- الشيخ الفقيه يوسف المجاهري ( ت 1944هـ ).
- الشيخ الصوفي احمد بن مصطفى العلوي .
نشاطه و أعماله :
عمر الشيخ بن قارة المسجد الأعظم بمستغانم كأستاذ لحلقاته ابتدءا من سنة 1885 م حيث كان يحفِظَ القرآن الكريم و يدرس الحديث و الفقه المالكي و التوحيد و النحو و الصرف ، و يقول تلميذه ابن شهيدة بان شيخه ابن قارة كان محل اهتمام أهل المنطقة ، و أن أول درس شرع فيه الشيخ حضره عالم من علماء المدينة المنورة و قال لهم بعد أن استمع لدرس الشيخ : " يا أهل مستغانم لقد فتح الله عليكم عينا من عيون العلم و المعرفة فاشكروه على نعمه، و اغتبطوا في ذلك و اغتنموا تسعدوا ".
كما كان الشيخ يلقى دروسا في مساجد المدن التي كان ينتقل الى زيارتها .
الإجازات المتحصل عليها :
من بين الإجازات التي كان الشيخ يعتز بها إجازة القاضي أبو بكر بن شعيب بن علي الجليلي التلمساني، فقد قال عنه : " و قد أجازني إجازة عامة مفصلة و سند القاضي شعيب في إجازته عموما موجود عند الشيخ عبد الكبير الكتاني و جعفر الكتاني و الشيخ القادري و القهري و العمراني و العنادي و علي بن عبد الرحمن شويوش ، و يعبر عنه بالوهراني والطالي و المهدي و الفقيه ابن حمزة و القاسمي و الفحلي و ابن غزة ....الخ " . توجد نسخة مخطوطة بحوزتنا.
ميزاته العلمية :
كان الشيخ ابن قارة محدثا فقيها و مفتيا و ناظما ، و يغلب إليه الميل القليل إلى المتصوفة في غير إفراط ، فقد وصفه معاصروه بأنه عالم جليل متواضع قليل النضير ، عالم مصلح بارز و معلم من معالم مدينة مستغانم الذي تمتع فيها بسمعة و مكانه رفيعة.
آثاره :
1 - منظومة " قرة الأعيان في أدب تلاوة القرآن " و هي منظومة من 124 بيتا قسمها إلى مقدمة و فصول أشار إلى اسمها في مقدمتها فقال:
سْميتها بقرة الأعيان....في آداب تلاوة القرآن
و قد قام العلامة الشيخ محمد بن طكوك بتقريظ هذه المنظومة قائلا:
أيا من تسامت له همــة .... ترغبه أبدا في الكتاب
مرتل آياتـــه خاشعـــــا ..... فديتك عرج على ذا الآداب
على نسج ذاك البليغ الفصيح ....كنز العلوم حليف الصواب.
وهي مخطوطة عند الأستاذ
2- حتمية الأنوار المحمدية النبهانية مختصر المواهب اللدنية السلطانية " و هو نظم مختصر " الأنوار المحمدية من المواهب اللدنية " للشيخ القاضي يوسف بن إسماعيل النبهاني المتوفي سنة 1922 م ، و هو مجموع أبيات، منظومة في 92 بيتا.
3 - نيل الأمان في شرح عقد الجمان لنظم فتح الرحمن " و هو شرح لأصل " عقد الجمان النفيس في تراجم علماء غريس " لمؤلفه سيدي عبد الرحمن التوجيني الذي قام بنظمه القاضي شعيب التلمساني ، و قد شرحه نظما تلبيه لطلب القاضي شعيب ، حيث يقول في هذا الصدد: '' فأجبته بعد الاستخارة و شرحته بفضل الله امتثالا لأمره و إسعافا لرغبته على ما اعلمه من نفسي من القصور عن ذلك الشأن ، و سميته بنيل الأمان في شرح عقد الجمان لنظم فتح الرحمن .....''.
و عقد الجمان سبق للشيخ محمد بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم الراشدي المزيلي أن قام بشرحه في منظومة سماها : '' فتح الرحمن في عقد الجمان ''.
4- رسالة مطولة في صفحات أربع كبيرة كتبها كرد على جواب العالم الأمثل سيدي بن عودة ابن إسماعيل إمام مسجد زاوية الشيخ بن عبد الله بغليزان فيما يتعلق بفتاوى شيخه العلامة علي بن عبد الرحمن مفتي الديار الوهرانية ساق فيها الأدلة الشرعية و البراهين العقلية التي لا تقبل الجدال في صحة ما أفتى به شيخه. توجد بحوزة العائلة
5- مخطوط : رسالة في جواز إعطاء الزكاة لآل البيت.
6- مخطوط : إرشاد الخلق إلى الحق .
7- رسائل في فنون متنوعة من توحيد وفقه و إرشاد و نحو و صرف ( توجد عند بعض الخواص ).
المناصب التي تولاها :
عين مدرسا بالجامع الأعظم بمستغانم خلفا للشيخ محمد الحاج بن عمر بعد تعيين هذا الأخير سنة 1885 م مفتيا للمدينة، حيث كان يحفظ و يشرح القرآن الكريم ودرس متن خليل و بن عاشر ، و الحديث الشريف فدرس صحيح البخاري و الموطأ و الأربعين النووية ، و التوحيد و السيرة الشريفة و الأخلاق و غيرها من الآداب .
في سنة 1898 م عين مفتيا لمدينة مستغانم بعد وفاة الشيخ محمد الحاج بن عمر ، و قد احدث تعيينه في هذا المنصب ضجة داخل المدينة نظرا لصغر سنه ، حيث كانت هذه الوظيفة لا تسند إلا للكهول و كبار السن ، و لكن هذه الضجة سرعان ما خمدت بعد ان شاهد المواطنون من فقه و حكمة الشيخ و عمق معارفه و غزارة علنه حيث بقي الشيخ في هذا المنصب حتى بدأت أيادي الاستعمار الفرنسي تتدخل في تعيين رجال الدين الذين يهادوننها و لا يحرضون المواطنين عليها ، و لما كان الشيخ ممن لم يسكتوا عن مظالم الاستعمار و لم يكن يفوت

أي فرصة أو درس الا و حرض المواطنين على عدم الرضوخ للاستعمار ، فقام الحاكم الفرنسي بعزله من منصب المفتي.
وفاته :
توفي الشيخ رحمه الله يوم الاثنين الثالث رجب 1375 هـ الموافق لـ 14 فبراير 1956 م بمدينة مستغانم ، و قد حضر تأبين جنازته و صلى عليه الشيخ محمد بن طكوك و الشيخ الطيب المهاجي عالم وهران و مسندها و الشيخ المهدي بوعبدلي مفتي الشلف و غيرهم ، و دفن بتربة سيدي قدور بن سليمان .
المصادر :
- تعريف الخلف برجال السلف للحفناوي - مؤسسة الرسالة ، الطبعة الثانية 1985.
- بن سكيرج أحمد الرحلة الحبيبية الوهرانية – طبعة حجرية – فاس ( د.ت. ط ).
- المستغانمي ( عبد القادر بن عيسى ) مستغانم و احوازها عبر العصور تاريخيا و ثقافيا و فنيا ، المطبعة العليوية ، مستغانم ، الطبعة الأولى ( د. ت . ط ).
- مقال لأحد تلاميذ الشيخ بعنوان " وفاة المفتر الشيخ عبد القادر بن قارة مصطفى " منشور بجريدة النجاح السنة 35 ، العدد 4378 ، سنة 1956 م .
- ابو القاسم سعد الله ، تاريخ الجزائري الثقافي ج4.
-Brochien jean André (le livre d’or de l’algerie) baconnier frères . Édition Alger 1937

dimanche 11 mars 2018

الشيخ الميلود المهاجي


الشيخ الميلود المهاجي
cheikh Miloud El Mehadji
1327-1422هـ/1909-2001م
صاحب المقولة : عشت من الفلاح إلى الهداية


الشيخ المولود من دعاة الحركة الإصلاحية وأحد معلميها ، دعا بما تدعو إليه جمعية العلماء المسلمين ، وتنكب في سبيلها وحوكم وسجن فلم تلن فيه فناته، ملم يتزعزع إيمانه ، هو أول من تتلمذ على الإمام عبد الحميد بن باديس في ( العمالة الوهرانية) وقد نشأ في عائلة علمية دينية ، وواصل المسيرة معلما وواعضا مرشدا ومازال إلى الآن رافعا لواء الكفاح وعمره 80 عاما في مسجد الهداية الإسلامية.
مولده :ولد يوم 16 نوفمبر 1909 في وهران في أسرة محافظة مشهورة بالعلم والصلاح .




تعلمه:
تعلم القرآن الكريم في قرية (كريشتل) ضواحي وهران ، ولما أتم حفظه حفظ جملة من المتون والمصنفات التحق بعمه الشيخ الطيب المهاجي المشهور بعلمه وتقواه، و هو من الأعضاء المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين الجزاىريين ، فاخذ عنه المبادئ العلمية من نحو وصرف وفقه وعقائد بمسجده الكائن بالمدينة الجديدة-زاوية الشيخ ابن تكوك في صحبة ابن عمه زدور محمد ابراهيم قاسم المهاجي ، وشيخنا عبد القادر بوجلال وغيرهم كثير .
زيارة ابن باديس لوهران 1933
وفي سنة 1933 زار الشيخ عبد الحميد بن باديس وهران في نطاق دعوة جمعية العلماء فاستقبله الشيخ الطيب المهاجي في بيته الذي اجتمع عليه جمع كبير تقديرا لعلمه فوعدهم بإلقاء درس في المسجد .فانتشر الخبر في المدينة وتجمهر الناس في (مسجد الباشا الكائن في شارع فيليب) وما أن دنت الساعة المحددة بعد صلاة العصر حتى تقدم الأستاذ إلى المحراب يرافقه الشيخ الطيب المهاجي وجماعة من كبار المصلحين فألقى درساً في قوله تعالى  ياأيها المدثر قم فأنذر ، وربك فكبذر ، وثيابك فطّهر ، والرجز فاهجر ، ولاتمنن تستكثر، ولربك فاصبر] فحرك بتحليل معاني هذا الدرس الشعور والإحساس ، والفكرة الحبيسة منذ أزمان وعاد بالقوم إلى ماضي سلفهم وأصالتهم ، فسيطر عليهم إحساس عظيم وشعور جريد.
وما أن سمع الشاب المهاجي هذا الدرس حتى اضطرمت في نفسه رغبة طموحة من أن يلتحق بقسنطينة ويضحي من تلامذة الأستاذ ابن باديس ، وليس له إلا أن يعد العدة وينتظر دنو السنة الدراسية المقبلة.
إلتحاقه بالجامع الأخضر:
وفي شهر اكتوبر عام 1933 كان من بين الطلبة الجامع الأخضر ينهل من مناهل العلم فيه إلى آخر سنة 1935 أين تجددت له الرغبة في اللحاق بجامع الزيتونة الذي انضم إلى طلبته لكنه ماكان ينهي عامه الأول فيه حتى عاد إلى قسنطينة يشكو قلة ذات اليد، فنصحه الاستاذ ابن باديس بالعودة إلى وهران، والاكتفاء بما عنده، وقد زوّده بإجازة تسمح له بمباشرة العمل بما اكتسبه من العلم، ولما تسلح به من الإستعداد للدعوة وإيقاظ الوعي.
نشاطه وعمله وموقف السلطات منه:
حلّ بوهران في سنة 1936 وفي سنة جذوة متأججة من قبس الإيمان ، فدعا إلى تأسيس مدرسة عربية لتعليم القراءة والكتابة ومبادئ علوم العربية ، فاستجاب له الناس ، وأسسوا معه مدرسة كانت نواة لمدرسة الفلاح التى أتت من بعد ، وعدت من كبريات مدارس مدينة وهران.
شرع الوعي والتعليم في حجرة الواحدة التي اكتراها رجال الإصلاح وأثثوها وكان عددهم نحو الثلاثين عضوافي بداية الأمر،لكنهم ما لبثوا أن تضاعف عددهم مرات ، وأصبحت الحجرة الواحدة لا تكفي لإستقبال عشرات من التلاميذ المقبلين على تعلم العربية بلهفة مما جعل الجماعة يعقدون العزم على إنشاء مشروع كبير يتلاءم مع كثرة المقبلين على التعليم إلاّ أنّ الإدارة الإستعمارية كانت واقفة بالمرصاد لتعلن عزمها على كبت هذا الشعور المتدفق وإطفاء هذه الشعلة المتوهجة التي تنيرالدروب المظلمة وتبعث على الصحوة الفكرية فأصدرت أمرا اعتباطيا يقضي بإغلاق المدرسة
حل بالمدرسة محافظ الشرطة مع عونين له آمرا معلميها بإخراج التلاميذ وغلق المدرسة وتسليم المفتاح لكن المعلم قد رفض الإمتثال للأمر قائلا: دونك فافعل ما تأمربه ولكنه لم يفعل ، واكتفى بأن هدد واوعد ، وعاد ادراجه ، وحكم عليه بالعصيان واحاله على المحكمة كمجرم عليه بشهر سجنا، وغرامة قدرها الف فرنك ، واستمرت المدرسة تؤدي رسالتها غير آبهة بعراقيل تضعها الحكومة من جهة وتذكيها الطرقية من جهة أخرى بفضل صمود أصحابها وحزمهم واعتدالهم.
زيارة الشيخ الطيب العقبي لوهران ومساندته للشيخ الميلود المهاجي:
زار الشيخ الطيب العقبي وهران في سنة 1937 وصادف أن انعقد مؤتمر في الملعب البلدي دعت إليه الجبهة الشعبية ، ونظم المؤتمر جميع الأحزاب ، الحزب الشيوعي والحزب الإشتراكي ، وكان من بين الحاضرين الشيخ الطيب العقبي، فألقى خطابا مثل فيه جمعية العلماء ، وتعرض فيه لمظالم يلاقيها الشعب الجزائري ومنها حادثة المدرسة فقال: اسمعوا أيها الحاضرون إن الشرطة دخلت مدرسة الفلاح فوجدت الشيخ المولود المهاجي كاتبا على السبورة ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، فأحالته على المحكمة التي حكمت عليه بشهر سجنا وبغرامة ألف فرنك ، فقولوا معي أيها الحاضرون ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ،فارتفعت الأصوات بالتهليل مرارا ، وما ذلك إلا ليشعر الشعب الجزائري بوجوب التصدي والصمود والجرأة والشجاعة لأن الحق لا ينال إلاّ بالقوة.
(( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا )) الحج 40.
ولما لم تجد الإدارة الإستعمارية سبيلا لكبت شعور الأمة المتدفق عمدت لتحريك الطرقيين والخرافيين لمجابهة زحف المصلحين فظل الصراع قائما وانتصر في النهاية الحق على الباطل.
إعتقاله :
وفي اوائل الحرب العالمية الثانية ،اعنقل الشيخ المهاجي تشفيا وانتقاما لتحديه وصموده وجرأته فظل أياما في زنزانة من زنزانات وهران نثم سيق به إلى الصحراء حيث أودع معتلق جنان بورزق الذي قضى فيه ثلاث سنوات ، ولما أفرج عليه بعدها عاد إلى التعليم ، واستأنف دعوته الإصلاحية بعزم وثبات .
انتقاله إلى واد رهيو:
وفي سنة 1950 بعث به الشيخ العربي التبسي معلما و واعظا ومرشدا إلى واد رهيو ، فما أن حل فيه حتى قام بنشاط مكثف فاجتمع عليه أهلها وسار بهم قدما قدما في سبيل الإصلاح فأسس مسجدا ومدرسة ثم افتتاحهما باسم جمعية العلماء في سنة 1954 وما يزال المسجد والمدرسة قائمين إلى الآن ، إلاّ أنّ المدرسة لم تعد تابعة لجمعية العلماء.
وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نمْ فالمخاوفُ كلهنّ أمانُ .
انتقل إلى واد رهيو بمفرده فقضى فيه سبع سنوات وكان يزور خلالها المدن والقرى المجاورة في تطاق الدعوة وفي سنة 1957 كان في لطف الله وعنايته أن كان في زيارة أهله في وهران ليلة هجوم الفدائيين على أحد غلاة الإستعمار رئيس محطة القطار فقتلوه وإثر العملية الفدائية اعتقل تسعة من رجال الإصلاح فاعدموا حالا، ولو وجدوه لكان عاشرهم لأنه يعتبر يعتبر في نظرهم رأس الفتنة وفعلا بحثوا عليه فلم يجدوه وقد أنذره اصحابه بعدم العودة إلى واد رهيو ، واشتغل فعلا بالتعليم في مدرسة حي البحيرة الصغيرة في وهران إلى غاية الإستقلال.
عند الاستقلال :
وعند الاستقلال عين إماما في مسجد (حي التشجير) LES PLANTEURS إلا أن المسجد لم يكن بالمعنى المتعارف وهو عبارة عن زاوية تنسب إلى الشيخ عبد الباقي، فبإعانة من سكان الحي والسلطات المحلية هدم المبنى القديم وأقيم على أنقاضه مسجد (عمر بن الخطاب) الذي لايزال إلى الآن.
وفي سنة 1964 فضل الانخراط في سلك التعليم فعين في مدرسة باستور إلى أن أحيل على التقاعد في سنة 1977.
وأخيرا تطوع بالإمامة في مسجد الهداية ، كما يتردد على مساجد أخرى كلما دعى الامر إلى ذلك ،
وفاته : توفي في 9 ربيع الثاني 1422 الموافق لـ 30 جوان 2001 رحمه الله تعالى

samedi 10 mars 2018

معركة رأس العين بوهران

معركة رأس العين بوهران
يوم الجمعة
03 من ذي الحجة عام 1247 الموافق لـ 04 ماي  1832


لقدانتدبا الشيخان الأمير عبد القادر بن زيان الزياني والشيخ محي الدين بن مصطفي رضي‌الله‌عنهما جميع المخزن الذي هو الدوائر والزمالة والغرابة والبرجيةوغيرهم من أرزيو وحميان والعبيد الشراقة وبني شقران والحشم وبني عامر وسائر الجهة الغربية ، فوافقوه على الجهاد ، ورغبوا فيه وهم في الفرح والسرور بغاية ما يكون من الازدياد. ولما اجتمع الجيش العرمرم ذهب به الشيخان للحرب والأمير عليه هو السيد محي الدين ، ونزلا به أولا بوادي الحمام ، وثانيا بسيق ، وثالثا بتنازات من أرباض تليلات وكتبا بطاقة للطاغية على أحد الخصال الثلاثة التي هي الإسلام أو الجزية أو القتال في الحين وبعثها الشيخ السيد محي الدين مع رجل يقال له علي بن زرفة من أصحاب وادي الحمّام ، فذهب بها عليّ ولم يظهر له خبر للآن بالاحتكام. ولمّا انقطع خبره وطال أمره جدّا تقدم السيد محي الدين بالجيوش ونزل بها في سيدي معروف وبه جاءه المخزن مجتمعا في غاية الترفّه بما لهم من الملابس والفروش ، وعتاق الخيل تحتهم كأنها النعام أو العزلان ، ولباسهم منوع بسائر الألوان ، وسروجهم مزوقة مرونقة وجلود النمر مسدولة مع الخيول ، وهي في سيرها منهمدة كأنها السيول ، وسلاحهم في غاية الصفاوة له شعاع وبروق ، وعلى تلك الخيول رجال في الشجاعة كأنها الأسود وألوانها لها نور وشروق ، فبات المخزن تلك الليلة معوّلا على القتال وطالبا للمكافحة والنزال ، شائقة أنفسهم للقاء الرحمان ، سائلة منه الشهادة للفوز بجنة رضوان ، ومن الغد تفرق المخزن بالجيش وقسّمه رايات باشتهار ، وانتشر ممتدّا من الحافة للمروج لكدية الخيار ، وضرعوا في قتالهم في ذلك اليوم ، فلا ترى من شدة الوطيس وكثرة القتلى من الجانبين إلّا الطيور لها عليهم الحوم ، وافترق الفريقان عشية ، وأخذ كل موتاه أخذة قوية ، وقد تمادى المسلمون في هجومهم ، في ذلك اليوم بغاية الجهد والقوة إلى أن وصلوا لوسط المحلة الفرانسوية وللحفير الذي ببرج صنطاندري saint andre في غاية القوة ، ثم من الغد ارتحلت محال المسلمين ونزلوا بالضاية ، وابتدأ القتال بين الفريقين من الزوال إلى ظلام الليل ، والمخزن له تقدّم للنزال ، وحرص على دوام القتال ، ثم انفصل الفريقان ورجع كل لمحلّه بالتحقيق ، وانجرح من الدوائر الحاج المزاري من سبّابته اليمنى لنيل التوفيق ، وعدة ولد عثمان من صدره ، وانكسر الحاج بن كاملة من ركبته وسلم في أمره ثم المختار بالتريكي ، والمولود بالبرغوث ، وأخذ النصارى فرسه الأزرق شديد الرغوث ، ويحيى بونوة ، والمختار بن ساردي ، وهم في غاية تقدّم وتمادي ، وكان ذلك في ثالث ورابع وخامس وسادس ماي سنة اثنين وثلاثين من الأعوام العجمية المسطورة ، الموافق لسنة ثمان وأربعين من الأعوام العربية المشهورة وإلى هذه الواقعة في الأربعة الأيام المتوالية أشار السيد الحاج الفقيه عدة بن علي الشريف المذكور في عروبيته بقوله :
يا سايلني نعيد للشكر هديا للجيش الّي مشرّب للكفر الامرار
إلى أن قال :
يا سايلني نعيد لك هذا الغيوان يوم انحركوا انجوعنا لبلاد الرّوم
الأقطاب اثنين جمع في ذا الديوان وانصرهم يا لطالب الحي القيّوم
حمر اللحيا الشيخ الأفحل بن زيّان يبغي الجهاد قدها عز المظيوم
محي الدين الوقيح زيفط للعربان جاته الإسلام كافّه تراس وقوم
أمحال قويّا التمت يا فرسان لا من يحصي أعدادها هيلات اطموم
إلى أن قال :
كعجبوني اغرابتي عز عليا على الاعلاج يا ملاح احملهم جار
اخبرهم راه شاع في كل اثنيا دمّارين الجهول وشبوب الّي بار
بطّيو ناس قدها ذوك اجزايا يوم الدّبلا أعلامهم صاعب غرّار
تعقر من لا اتجيب كيف البرجيا ناس الشيعات والشنا وأهل التفخار
وبني شقران واكدين اعموميا يزهوا خوتي منين حضر في المشوار
جات امطافيل مالمعسكر يا خيا خلجوا الاعلاج زينهم كباب ـ لار
يا عجب شوف ما اضنات الحشميا طفيل اغريس ليس ما فيهم تعيار
الاعرج صبّار جابها للكلبا وات قولي عليه شباب الي بار
ناس الحمّام ثاني لاقوا بيا ذكروهم من قبيل للعاد زنجار
وبني عامر قدها ما صليا كالخل إذا اعناو يهدم الأسوار
وادوايرنا أهل الشنا والعشويا من ناس قبيل ها الخوا يسروا الاشكار
أهل امشاطي يوقدوا أهل اجزايا أهل اركبات بيض وامراكيب احرار
يوم الحيها اتصيبهم في لوليا يقتحم الاصفوف ما فيهم توخار
/ قطّاعين الروس نقم للعديا أولاد اسماعيل قدها رهج الكفّار
وازمالتنا امدمرين الكفريا من يتكلف يشطر عظمه تشطار
إلى آخر القصيدة.
 - من كتاب طلوع سعد السعود ، ويحتاج الامر إلى زيادة تفصيل وبيان في قابل الايام إن شاء الله.

القاضي أحمد بن حامد بن الحاج بن عودة ابن ددوش

 القاضي أحمد بن حامد بن الحاج بن عودة ابن ددوش
  التلمساني ثم الوهراني
1859-1928م/1275 -1346هـ

تحقيق الأستاذ بليل حسني وهواري حاج.

مقدمة : هذه الترجمة أخذت من رحلة الشيخ السكيرج الموسومة ب: من كتاب الرحلة الحبيبية الوهرانية  الجامعة للطائف العرفانية للقاضي أحمد سكيرج ، وتفاصيل هذه الترجمة من حيث شيوخ إبن ددوش وتلاميذه والأماكن التي تولى فيها القضاء ورحلته إلى مالي والسودان وأفراد أسرته ونياشينه التى أحرزها مدّة خدمته للقضاء (27 سنة) تجد ذلك كله مفصلا بالوثائق خاصة الأسرية منها في كتاب تكميل البستان (مخطوط).
ملاحظة : ستتبع هذه الترجمة بسائر تراجم هذه الرحلة (تراجم وهرانية –تلمسان –مستغانم –سيدي بلعباس) .
ومنهم قاضي الحضرة الوهرانية ، الحائز قصبات السّبق في المقامات العرفانية، العلاّمة الفاضل، المتحلي بأجمل الفضائل، أبو العباس الشيخ سيدي أحمد بن حامد بن الحاج بن عودة ابن ددوش التلمساني. هذا السيد الجليل، ذو المنصب الجميل، له أخلاق عذبة المذاق، دالة على طيب الأصول والأعراق، قد توفر فيه الحسن والإحسان، فهو حسن الخلق والخلقة، يملأ عين ناظره سرورا، وينشرح به الصدر انشراحا ونورا ، يخالط الناس وهمته فوق الثريا ، يلين جانبه لأهل الفضل مع سلامة الصدر، وبشاشة المحيا ، وقد خاض في العلوم الفقهية والحديثية والتفسيرية حتى اعترف له بالفضل أهل الفضل ، وتضلع من الفنون العصرية ما فيه الكفاية ، واغترف من بحر العلوم الوهبية أسراروأنوارا، ولا تقنع نفسه بالوقوف على ما حصّله من ذلك ، بل المقصود عنده إمام ويسلك في طلبه أوضح المسالك ، وكنت قبل اجتماعي به سمعت من احواله ما حملني على الغبطة التامة في ملاقاته ، فاستعملت قصيدة بقصد توجيهها إليه ، وقبل إخراجها من المبيضة ، اجتمعت به فوجدته ممن انطبعت محبتنا في قلبه قبل الاجتماع ، ولا زال يتردد إلينا غالب الأوقات في كا يوم إلى أن قدر الله الفراق وقت الوداع ونص القصيدة المشار لها تنويها بقدر ذوي الفضل المستحقين للذكر بما لهم من كمال الفضل وهو من خاصة الأحباب في الطريقة التجانية
سلكنا فجاج البر شوقا للإخوان     تحلوا بأداب وحسن واحسان
وخضنا البحارالزاخرات لعلنا     ترى وجههم حتى وصلنا لوهران
ونسأل اهل الفضل في كل بلدة   حللنا بها عمن له رفعة الشان
فيرشدنا أهل البلاد لمن له     ترى رتبة في الفضل او بعض إحسان
إلى ان حللنا هذه البلدة التي     ترى من قديم الدهر من خير بلدان
فأخبرنا أهل النهى أنّ مثلهم    عديم نظير في علوم وعرفان
فحركنا الشوق المؤجج في الحشا    لرؤيتكم يا من سما بين اقران
وإن لنا شوقا لرؤية مثلكم     لنذكره فيمن رأينا من اعيان
وأنت الذي لا شك تذكر أولا   لكونكم في الفضل ليس لكم ثان
وهل أحد مثل ابن ددوش قدره     يخل بوهران واهل تلمسان
سرى ذكره في العرب مثل اعاجم     من أقصى الغرب حتى السودان
ألا ايّها القاضي الجل ومن له    جلالة علم زانها حسن إتقان
واضحت له في الفضل ارفع رتبة    يعظمها بين الورى كل إنسان
أتينا إلى وهران شوقا لأهله    ليحي بهم قلبي وتذهب احزاني
وإنّي مشتاق لرؤية وجهكم     لأنّك قاضي الوقت في قطر وهران
وإنّك من أهل المروءة والعلا     وإنّك من أحباب قلبي وإخواني
وليس لنا قصد يشين وإنّما     نحب لقا امثالكم من ذوي الشاني
على أن جلّ النّاس قد صار ذكرهم     لرؤية حسن او لرؤية إحسان
وإنّي ارى خير المودة للفتى     بشاشة وجه زانه نور إيمان
لك الله من شيخ تكامل فضله   وأوصافه ليست تسام بنقصان
فعش كوكبا في رتبة المجد طالعا   محوطا بحفظ الله من كيد شيطان
ودم و زمان السعد لا زال مقبلا    عليك بنيل المرتجى طول أزمان
الإفصاح عن مقصود المؤلف بالجمع بالأفاضل
وقد أفصحت في هذه القصيدة عن المقصود من الإجتماع به، وبأمثاله الأفاضل مما لا تبقى به نفس السامع منقبضة ، ممّا يتوهم من أنّ ذلك لغرض نفساني.
والله يعلم إنني ذو همّة     تابى الدّناءة عفّة وتكرّما
فلست بحمد الله ممن يثني على النّاس للأغراض
ولست تراني واقفا عند باب من     يقول فتاه سيدي اليوم راقد
ذلك هو الذي جلبت عليه نفسنا منذ الصبا ، فلا أخالط الغير إلاّ برفع الهمّة ، سواء كان مخفوضا أو منتصبا ، وقد ذكرنا هذا القول هنا ليكون مطالع هذه الرحلة على بال ممّا يقف عليه من مدح بعض الأفاضل فيظن أننا تعرضنا بذلك للنوال كما هي عادة غالب الشعراء في المدح الذي هو من قبيل السؤال على أنّ هذا الفاضل وأضرابه من اهل هذا الوطن في مراعاة الجانب بكمال الإحتفال في السر والإعلان.
أثني عليه بما اسداه من كرم  إليّ في النّاس في سر وفي علن
ولا زال بحول الله أشكره     مع الشريف الحبيب مدة الزمن
فإنّ سيدنا الحبيب بن عبد الملك هو السبب في معرفتي بهذا السيد الجليل ، وفي معرفة أمثاله ، ولا شك أن تراجمهم كلها مندرجة في ترجمة سيدنا الحبيب المذكور وهو المقصود بهذه الرحلة من أول من تم حتى نسبت إليه ، فهي الحبيبية الوهرانية جعلها الله من السعي المشكور، وقد خضنا مع صاحب الترجمة في المذاكرة فنونا، وأبدى له من كنوز الأسرار جوهرا مصونا، ومع ذلك يستنتج ما لدينا بألطف سؤال، ويتنزل غاية التنزل عن المقام في المقال ، حتى أدى به الحال إلى أن استجازني في ما لدي ، واستسمن ذا ورم مني فيما رآه يسبب إلى لكمال حسن ظنه ، واعتقاده الجميل فلم يسعني غير إجابته لإحراز دعوته ، فأجزته بإطلاق حسبما تلقيته عن أشياخنا أولى المعارف والأذواق ، وتجردنا عندئذ عن لباس ستر الحقائق بيننا ، وخضنا في بحور المعارف ، وتذاكرنا في فنون شتى وتحقيق أصولها، لما جبل عليه من البحث عن حقائق الأشياء، حتى انجر الكلام بنا إلى فنون السيمياء من أوفاق و حروف وأسماء، وسألني عن رأيي  في علم الكيمياء فذكرت له  ماكنت منكبا عليه من البحث عن حقائق هذه الفنون منذ صباي أمّا علم الأوفاق  وما عطف عليه فمن الفنون التي لا ينذكرها إلاّ من يجهل انفعال المكنونات بما قام بها من السر المنوط بها غير أن هذه الفنون تلطخت بانتحال المدّعين حتى انطمست معالمها فلا يتوصل لها إلاّ الخصوص في الخصوص، ولا سئل إلى إنكار خصائصها بعد ان تكلم عليها من شهد لهم الخاص والعام بالولاية والمعرفة الكبرى.
كيف تنفى خصائص الأسماء    وبالأسماء مظهر الأشياء
شاهدتها أهل الشهادة لمّا    أخلصوا قصدهم لرب السماء
وأما الكتب المؤلفة  في ذلك فهي عون للطالب على السلوك على منهج يقضي لنيل المطالب فهي كاكتب المؤلفة في علم الكيمياء وقد قال في ذلك صاحب الشذور:
فإن قلت فيهم النظم والنثر إن يكن ...كلامكم فيه عن القصد نائيا
فإن جوابي عنه أن مرادنا...به رجل لا يبرح الدهر جاثيا

ولما لم يقف الخائضون في ذلك على الاصطلاح الذي يتوصل به إلى معرفة حقائق الرسوم المؤلفة في تلك العلوم ، وهو عند غير أهله  من  الأمر المحتوم كتمه المختوم عليه بطابع الكتمان عند من لديه علمه ،وأنشدته قول جابر فيما يظنه متعاطي فن الكيمياء من أن المقصود من العقاقر ماهو معروف عنده وليس الأمر كذلك:
للقوم خل ثقيف يعملون به...وخبزة بدقيق الفكر قد علمت
ليس الزرانيخ والكبريت بغيتهم...ولا زيا يقيهم تباع إن طلبت
ثم خضنا في أسرار طريقتنا التجانية وأذكارها الخاصة بأهل المراتب العرفانية مما لا يذكرها إلا مشافهة ولاتحمله بطون  الدفاتر وإن كانت الأسرار وتدافع عن نفسها  وعقل غير مستحقها عن الوصول إليها عاجز وفاتر وبما خضنا فيه حالة المذاكرة كان يتوهم بأن لنا يدا في المعارف بها من بحر المعرفة الحقيقية غارق،ويتخيل له أن لنا بذلك مزية وخصوصية مع أني بشهادة الله:
لست شيئا أرى ولا بعض شيئ ...غير أن الكريم جاد وأعطى
وحباني من فضله بهبات...وعلى العيب بالمكارم غطى
والذي آعطانيه المولى جل إسمه هو حسن ظن مثل هذا السيد الجليل فينا بما جبل عليه من مكارم الأخلاق ،وعذوبة الأذواق ببركة الانحياش إلى الجناب الأحمدي ،فرجوا من الله بجميل ظنهم أن يحقق فينا ذلك ،وإني لاحق بأن أنشد ما قيل راجيا من المولى آن يسلك بنا أوضح سبيل:
يظنون بي خيرا وما بي من خير...ولكنني أرجوه من عالم السر
وما كان هذا الظن حتى أراده...وتحقيقه إن شاء من أيسر السير
ولصاحب الترجمة الباع الطويل في اللغتين العربية والفرنسوية يتقن الفرنسوية إتقانا تاما بفصاحة في الأولى محكمة يستحلي السامع كلامه إذا تكلم ،وإن سكت تكسوه حلة الهيبة،فلا يتجاسر أحد على مخاطبته إلا إذا تبسم،وقد تصدر لخطة القضاء زمنا طويلا في قطر السودان وقطر وهران ففاز بالتقدم على غيره من الإخوان،  وقد شاهدت من بروره بنا ما زادني فيه محبة على محبة،حتى إنه طلب الرخصة من الحكومة للذهاب معي بنفسه لتلمسان بعد أن رغبني في القدوم إليها على ما أكد به على سيدنا الحبيب بن عبد المالك في الوجود إلى تلك البلدة لإشتياق ساداتنا الإخوان إلى الإجتماع معي خوفا من تغيير خاطرهم إذا لم أساعدهم بالوصول لتلك البقاع ،فساعدته الحكومة على ذلك فاقتطع الورقة للركوب ببابور البر لي وله من عنده ،وسرنا إلى تلمسان في رفقته مسير البدر في مطلع سعده بعد أن قضيت أياما بوهران ،وسأعيد القول في هذا الموضوع بحول الله وسألته عن المقصود بالتماثيل الموضوعة على أبواب المحكمات ومعنى الرسم العجمي المرقوم عليه،فذكر لي أن ذلك إشارة إلى المساواة والحرية والأخوة ، وكذلك التماثيل المذكورة وبعد مفارقتي لصاحب الترجمة بالجسم دون الروح كاتبته بهذه القصيدة:
صفوا لحبيبي ما ترون من أشجاني...وما قد دهاني بعده بين إخواني
فقد صدري من نواه ولم أجد...لحمل الذي لاقيت صبرا لوجدان
أحن له والشوق يزداد في النوى ...حنين مشوق في أحبته فإن
ويزداد شوقي عند قصدي لمضجعي ...فتشغل أفكاري وتسهر أجفاني
فلا النوم ياتيني فأبصر طيفه...ولو في المنام  لا ولا الصبر يلقاني
فاسكب طول اليل دمعا مزجته...دما كاد يحكيه شقائق نعمان
ولو لا انسكاب الدمع ذبت من الجوى...ولو لا الجوى ما فاض مني عيان
وأحس زفراتي التي أجج الهوى ...لواعجها بين الحشا بعد أحزان
وكنت خلي البال لكني شغلته ...بحبي حبيبا في محبته عان
وما كنت أحجوا أن أكون مقيدا...بحبي ويرميني ببعد وهجران
وما ضره لو كان بعد بعاده...يحملكم منه السلام على الفاني
أنا ذلك الفاني الذي لست معرض...وحق الهوى عنه لغير بسلوان
ولكنني أسلو بمدحي لأحمد ابن ددوش... قاضي العصرفي قطر وهران
محل ودادي بالذي قد رأيته...له من وداد صادق بين إخواني
وأخلص في صدق المحبة جهده...ولم يال جهدا من وداد وإحسان
فأكرم به من سيد ساد غيره...بفضل عظيم فيه ماختلف اثنان
لفد شاع من بين الأفاضل فضله...بغرب وشرق من ذكور ونسوان
يخوض من العلم البحار بفكره...ويخرج منها در سر ومرجان
ويقتنص الأسرار مهما بدت له...بألطف آداب وأكمل عرفان
فيظفر بالمقصود في كل مطلب ...إذا رامه من كل جن وإنسان





ولي فيه من بين الرجال فراسة...تفرستها فيه بحق وإيقان
وذلك إن دام اجتهاد اعتنائه ...سيصبح ذا التصريف في كل الآكوان
فقد نال من سير التجاني معارفا ...بها صار في العليا متوج تيجان
فصار رفيع الفدر تعنو لمجده...برؤوسها في الكون سائر الأعيان
فلا زال يلقى كل قصد ميسرا...بلا تعب يلقاه من غير نقصان

وقد أجابني عنها بكتاب بديع الخطاب لولا ما اشتمل عليه من إطرائي بالمدح والثناء لذكرته في هذا المحل،ولكن ضربنا عنه صفحا حذرا من غرور النفس بما ليس فيها من التنويه برفع الشأن،مع أنَّها مقيدة بقيد الكسل عن المسارعة لخير العمل ،والله أسأل التوفيق لي وله ولمن أحبه لما فيه رضا المولى ،ويجعلنا لقبوله أهلا آمين.

·       من كتاب الرحلة الحبيبية الوهرانية  الجامعة للطائف العرفانية للقاضي أحمد سكيرج.





معسكرات إعادة التجميع، أو كيف عملت فرنسا على تفكيك الأرياف الجزائرية

 حرب التحرير الجزائرية معسكرات إعادة التجميع، أو كيف عملت فرنسا على تفكيك الأرياف الجزائرية خلال حرب الاستقلال، قام الجيش الفرنسي بتجميع سكا...