dimanche 4 février 2018

علماء مدينة وهران وأولياؤها:


علماء مدينة وهران وأولياؤها:

مدينة وهران في القديم، ذات ماضي حضاري مشرق ومتنوع عمراني واقتصادي، وثقافي، وصناعي، رغم النكسات التي تعرضت لها عبر التاريخ خاصة في العصر الحديث خلال الاحتلال الأسباني(1509-1793) والاحتلال الفرنسي (1831-1962م).
وعبر هذا التاريخ الطويل والماجد ، انجبت وهران أعلامها وعمالقة في الفكر والثقافة واستقطبت أعدادا آخرين من الأقاصي البعية استوطنوها، وتمتعوا بشهرة ومكانة كبيرتين وشاركوا كلهم في إثراء حضارة هذه المينة والمنطقة كلها، وكانت لهم بصماتهم في مجالات كثيرة خاصة الفقه، والتعليم وطرقه وأساليبه، والتصوف ومذاهبه.
ومع أن وهران أخذت الشهرة بالشيخ الهواري الذي سبق أن قمنا عنه حلقة خاصة في هذه الحصة إلا أن علماء آخرين كان لهم دورهم، ومكانتهم في هذه المدينة كل في ميدانه وحسب تخصصه، وإمكاناته وقدراته الفكرية، وترجم لهم كلهم أو بعضهم عدد من كتاب التراجم والسير، وعدد كل منهم من: الزياني في كتابه" دليل الحيران وأنيس السهران في أخبار مدينة وهران"، وبن عودة المزاري في كتابه:" طلوع سعد السعود في أخبار وهران ومخزنها الأسود"، أكثر من خمسة وسبعين عالما ووليا، ما بين القرن التاسع، والقرن العشرين الميلادي (الثالث، والثالث عشر الهجري).
وسنحاول أن نقف عند البعض منهم، لنرى ونكتشف ما قاموا به من أعمال، وما بذلوه من جهود، في سبيل نهضة المدينة، والمنطقة، والبلاد بصفة عامة، ماديا وحضاريا، وما قدموه للحضارة العربية الاسلامية على مستوى العالم الاسلامي كله، والمغربي والمشرقي. 
ومن هؤلاء: الشيخ المحدث أبو إسحاق إبراهيم الوهراني من علماء القرن 4هـ (10م) الذي تتلمذ عليه عدد من طلبة الأندلس على رأسهم عبد البر النمري الأندلسي وذلك لتطلعه في الفقه والحديث.
والطبيب الحكيم أبو محمد عبد الله يونس بن طلحة بن عمرون الوهراني، قاضي الجماعة بالعرائش عام 584هــ (1188م)، وفي اشبيليا عام 592هــ (1195م)، وفي وهران، وتلمسان، حيث اشتهر بتطلعه في الفقه والحديث، وتوفي عام 602هــ (1205م).
والشيخ الأديب ركن الدين محمد ابن محرز الوهراني من علماء وأدباء القرن الساس الهجري (12م) ولد وعاش بوهران معظم سنين حياته التي لم يسجل عنها شيء، ولم تح سنة ميلاده، وقد تجول في بلدان المغرب الاسلامي وصقلية على عه المرابطين، والموحدين، ثم انتقل إلى مصر عبر تونس، وصقلية، وحاول أن يلتحق بديوان الإنشاء، فلم يوفق بسبب قوة وطغيان شخصية القاضي الفضل، ولذلك غادر مصر إلى الشام، وزار بغداد، ثم التحق بدمشق عام 570هــ (1174م) وعين إماما في مسجد داريا بضواحيها وبقي بها في وظيفته حتى توفي في شهر رجب 575هــ (ديسمبر 1179م).
وقد ألف خلال حياته رسائل، ومنامات، ومقامات، على شكل وأسلوب أبي العلاء المعري في رسالة الغفران.
وكان سليط اللسان، مقذعا لا يتورع عن استعمال الكلمات والجمل القبيحة، والبذيئة، وعن استعمال الأساليب الهزلية الهادفة، ومن أشهر مقاماته:
المنام الكبير الذي سار فيه على غرار المعري، والمقامة البغدادية،، والمقامة الصقلية، ومقامة مساجد الشام، ومقامة بلغته، ولشهرة أدبه الهزلي اللاذع اهتم علماء السير والتراجم بالترجمة له ولأعماله الأدبية التي تعتبر من أهم النصوص لا تقل عن مستوى مقامات الحريري، ومقامات بديع الزمان الهمداني، ومن ضمنهم:
ابن خلكان في وفيات الأعيان، وابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار، والصفدي في الوافي بالوفيات، وابن قاضي شهبة في الأعلام والسير في الكنز المدفون، ومحمد كرد علي في مجلة المقتبس، وخير الدين الزركلي في الأعلام، وفريد وحدي في دائرة معارف القرن العشرين، وبروكلمان، وعبد الوحيد الجيلالي وعبد الله حمزة، والأستاذان إبراهيم شعلان، ومحمد نغش اللذان جمعا عددا كبيرا من مقاماته، ورسائله ومناماته، في كتاب تحت عنوان: منامات الوهراني، ومقاماته، ورسائله وصدر بالقاهرة 1968م.
ولكن هذه الدراسة لم تقدم شيئا عن حياته الخاصة قبل هجرته إلى مصر والشام، وهي فترة طويلة وتعتبر ثغرة في سيرته الذاتية.
والشيخ أبو تمام الواعظ الوهراني من علماء القرن 7هــ (13م) الذي انتقل إلى بجاية، ودرس بها، وعلم، واشتهر بتطلعه في الفقه والحديث، وعلوم الشريعة، وقد ترجم له ابن أبي زرع، والغبريني، وشربونو، ويدي، وغيرهم.
والشيخ محمد بن عمر الهواري المغراوي الذي ولد بقلعة هوارة عام 751هـ (1350-1351م)، وانتقل مع استرته إلى كلميتو شرق مدينة مستغانم، ثم جاء إلى وهران، ومنها شد الرحال إلى فاس، وبجاية، وتونس، ومصر، والحجاز، والشام، ثم عاد إلى وهران واستقر بها واشتعل بالتدريس، وإعطاء الورد، وأسس لنفسه مسجدا، وزاوية، وبقي على هذه الحال حتى توفي عام 843هــ (1439م)، ومن مصنفاته في علم التصوف: كتاب"السهو والتنبيه، الذي ما يزال مخطوطا لدى المثقفين، وهو عبارة عن شعر ملحون باللغة الدارجة، وقد اشتهرت به وهران، رغم أنه لم يقدم لها شيئا، بل دعا عليهما ليحتلها النصارى الأسبان إذا صحت الرواية المشهورة في الكتب.
والشيخ إبراهيم بن علي بن مالك اللنتي التازي، تلميذ الشيخ الهواري، وخليفته، في علمه، وطريقته، الصوفية، وهو من علماء القرن التاسع الهجري (15م)،وكان متضلعا في علوم الفقه والحديث، ونظم الشعر الصوفي، وعلم اللغة والبلاغة والأدب، ومن أشهر قصائده الصوفية:
المرادية التي بدأها بقوله:
مرادي من المولى وغاية آمالي "دوام الرضى والعفو عن سوء أحوالي وشرحها محمد الصباغ القلعي في القرن 10هـ (16م) وسمى شرحه عليها: شفاء الغليل والفؤاد في شرح النظم الشهير بالمراد.
وتأتي أهمية التازي في كونه أول من أدخل الماء لمدينة وهران وأراح سكانها، خاصة النساء، من سقيه من الأماكن البعيدة، وقد جمع الأموال من الأثرياء وأشرف بنفسه على حفر السواقي، ومد القنوات حتى أوصله إلى وادي رأس العين بجوار المدينة غربا، ومع ذلك لم تشتهر به وهران، كما اشتهرت بأستاذه الهواري، وقد توفي التازي بوهران عام 866هــ (1462م) ودفن بها إلى جوار شيخه، ثم بعد الاحتلال الأسباني للمدينة نقله تلاميذه خفية إلى قلعة سيدي راشد وما يزال قبره وضريحه بها حتى اليوم.
والشيخان: أحمد بن أبي جمعة المغراوي، ومحمد بن أبي جمعة المغراوي، حفيدا الشيخ الهواري ابنا ابنه، وهما عالمان جليلان، اختص الأول بعلوم التربية وألف كتابا بعنوان: جواهر الاختصار والبيان فيما يعرض بين المعلمين وآباء الصبيان، واختص الثاني بعلوم اللغة والأدب، وشرح لامية كعب ابن زهير، وسمى شرحه: "تسهيل الصعب على لامية كعب"، وله قدم في علوم الهيئة، والفلك، والحساب، وقد توفيا معا في مطلع القرن 10هـ (16م).
وتأتي أهمية الأخير محمد بن أبي جمعة المغراوي حفيد الشيخ الهواري، في كونه أصدر عام 910هــ (1504-1505م) فتوى لمسلمي الأندلس بالتظاهر بالمسيحية كوسيلة للمحافظة على اسلامهم، وتربية أبنائهم تربية اسلامية في منازلهم.
والكتاب الأديب محمد بن الحسن بن الخوجة المستغانمي الذي كان كاتبا في ديوان الانشاء للباي محمد بن عثمان الكبير، وهو من أدباء القرن 13هــ (19م) وينتمي إلى أسرة علمية ذات مكانة، وكتب عدة أعمال أدبية منها:" بغية المرتاد في كل شيء وجئت بلا زاد"، الذي سماه كذلك بعد تعديله، :" عمدة الزاد في إعراب كلا شيء وجئت بلا زاد".
وكان أبوه حسن خوجة كاتبا هو الآخر في ديوان الإنشاء وألف كتابا عن وهران سماه:" در الأعيان في أخبار مدينة وهران" ترجمة إلى الفرنسية ألفونس روسو، وكتابا آخر سماه:" بشائر أهل الإيمان في فتوحات آل عمران".
والعالم محمد المصطفى بن عبد الله بن زرفة الدحاوي مؤلف كتاب:" فتح وهران
، وجامع الجوامع الحسان"، وكان كاتبا للباي محمد بن عثمان الكبير وعين مساعدا لرئيس رباط إيفري بوهران خلال الحصار الثاني عليها عام 1206هــ (1791م)، وكلفه الباي بتسجيل حوادث الفتح، كلها، وتسجيل الأرزاق المؤمن التي تقم لطلبة الرباط فقام بالعمل خير قيام وألف كتابا سماه:" الرحلة القمرية في السيرة المحمدية،"، وقد عين قاضيا في هذه المدينة حتى توفي عام 1215هــ (1800م)، وقد لخص هوداس هذه بالرحلة وقدمها في بحث لمؤتمر المستشرقين بالجزائر 1905 ولابن زرفة هذا كتاب آخر سماه:" كتاب الاكتفاء في حكم جوائز الامراء والخلفاء"، لخصه ارنيست ميرسي ونشره في مجلة: روكي القسنطينية عام 1898م".
ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء: محمد بن يوسف الزياني مؤلف كتاب:" دليل الحيران وأنيس السهران في أخبار مدينة وهران"، وأحمد سحنون الراشدي مولف: الثغر الجماني، في ابتسام الثغر الوهراني"، والقائمة طويلة تثبت الدور الكبير والهام الذي كان لعلماء هذه المدينة في ميدان الفكر، والثقافة، والتأليف، والجهاد، والتعليم، والتربية، والإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي.
وهنا لابد من وقفة خاصة لإبراز ادلور الكبير الذي لعبه العلماء، والفقهاء، وطلبة العلم، على اختلاف مستوياتهم ومشاريعهم واتجاهاتهم، في الجهاد والمرابطة من أجل تحرير وهران والمرسى الكبير، وطرد المحتلين الغاضبين الأسبان، ذلك الدور الفري من نوعه الذي لم يكن له مثيل سوى في ثورة أول نوفمبر 1954، والذي لا يعرف أبناؤنا اليوم عنه إلا الشيء القليل، والنزر اليسير.
إن علماء بايليك الغرب الوهراني بصفة عامة جنوا انفسهم للجهاد والمقاومة طيلة تواجد الأسبان بوهران والمرسى الكبير بالسيف، والقلم، والحرب، والسياسة، والنفس والنفيس، والأقربين منهم، والاباعد، فألهبوا حماس الناس وشجوعهم على الجهاد، وقدموا أموالهم، وأولادهم، ونظموا الشعر الحماسي، وألفوا الكتب وجندوا العامة، وتقدموا الصفوف، واحتشدوا في الرباطات المحيطية بالمدينة وخاضوا المعارك الكثيرة واستشهد الكثير منهم في ميادين المعارك، ووقفوا إلى جانب البايات والخلفاء في استنفار الناس وجمع الأموال، وتوفير الأسلحة وتدبيرها، وتخلوا عن حياة المتعة ولبوا نداء الواجب الوطني، ولم يتوقفوا حتى تم طرد المحتلين الأسبان وتحرير المدينتين وهران والمرسى الكبير، وإعادتهما إلى حضيرة الوطن، والإسلام وهي عملية مقدسة.
-------------------------------------------------
د.يحيى بوعزيز 
كتاب مدينة وهران عبر التاريخ.

Aucun commentaire:

معسكرات إعادة التجميع، أو كيف عملت فرنسا على تفكيك الأرياف الجزائرية

 حرب التحرير الجزائرية معسكرات إعادة التجميع، أو كيف عملت فرنسا على تفكيك الأرياف الجزائرية خلال حرب الاستقلال، قام الجيش الفرنسي بتجميع سكا...